
ذكريات التطبيق في مستوى ثامن..
اليوم الأوّل- الأربعاء 19/4/1430هـ:
(1)
منذ الأمس وإحساس غامضٌ يندفع فيّ، أحاول أن أتناساه بالانشغال في تنسيق (الديكور) لبرنامج غراس: هذه الأرض لنا، بيد أنّه لم يفارقني أبداً..
مع الصباح استيقظتُ على خفقاتِ قلبي، وكأنّه أبى أن يعهد باستيقاظي إلى منبه الجوّال، نهضتُ باكرةً، توضأتُ وصليتُ الفجر، وارتديتُ ملابسي.. الآن استبانَت لي نكهة ذلك الإحساس.. خليط ما تجسّده تلك الكلمة التي توشّحتها في نهاية مشواري العلمي، فقد أصبحتُ: أسـ ـ تـ ـ ـاذة ..!
ركبتُ السيارة، وتلوتُ في سريَ دعاء الخروج من المنزل، كم شعرتُ بأنني ضعيفة هذا اليوم، وأحتاج لمن يسندني فأنا أختطُّ أولى خطواتي بعيداً عن جامعتي، لألحق بركبِ المعلماتِ في ثانوية 127 بحي الربوة في الرياض.
كان قد بلغني أنّ المدرسة حديثة عهد، ففصولها قليلة، وعدد الطالبات قليلات فاستبشرتُ خيراً، ولعلّه منحني جرعة لا بأس بها من التفاؤل، وأنا التي ما فتئتُ أسأل المطبقات قبلي عن الصعوبات التي واجهتهن، وكلهن يشتكينَ من كثرة الطالبات وصعوبة السيطرة عليهن!!..
دخلتُ إلى المدرسة.. خلعتُ عنّي عباءتي، رأتني المديرة، فعرفت أنني طالبة التطبيق المعهود بها من الجامعة للتدريس في مدرستها، سلمت عليّ بحرارة.. بل ودعت لي بالتوفيق والتيسير في مهمتي، وسألتني عن صاحباتي اللواتي سيشاركنني هنا، فقد كنّا ست طالبات. هي دقائق معدودة واكتملنا.. دخلنا إلى غرفة المساعدة، ووقّعنا في دفتر الحضور مقيدين ذلك بموعد مجيئنا.
(2)
دخلنا غرفة المديرة، وانتظرناها ريثما تأكدتْ من دخول الطالبات والمعلمات إلى فصولهنّ وابتداء اليوم الدراسي.. كانت مديرة رائعة، ومثلاً عاليًا لدماثة الخلق وحسن المعشر فالتأثير بما أوتيت من أسلوب ليّن هيّن على الجميع في هذه المدرسة.
جاءت إلينا المديرة وهي تهلّل وترحّب.. وضحّت لنا أنظمة المدرسة، وتوزيع الفصول، وعدد معلمات اللغة العربية اللواتي سنستلمُ منهنّ حصصهنّ، وأخذتنا إلى غرفتنا المخصصة، وكان أوّل ما دخلناها أن شممنا رائحة ثووووووووووووووم تملأ المكان!!..
خرجنا إلى غرفة الوكيلة، لتنسيق الجداول وتوزيع المهام، وكم أبدت معلمات اللغة العربية تعاونهنّ الكبير معنا، فمنحننا المواد بكلّ يسر، أخذنا مادة النحو والبلاغة والأدب، واعتذرنا عن المطالعة والإنشاء لأنّهن يخضعن تحت نظام التقييم، وقد نجدُ صعوبة في تقييم الطالبات.
عدنا إلى غرفتنا، فأقبلت إلينا رائحة البخور تفوح بشدّة، وكأنّها تعتذرُ لنا عن رائحة الثوم التي استقبلتنا!!، أخذنا نعيد ترتيبَ المهام بيننا عاهدات بالإيثار، فإذا ما رأيتُ من صاحبتي ميولاً إلى مادة معيّنة ودرس معيّن، تركته لها، لآخذ درساً آخراً ومادة أخرى، وهكذا رضينا وتمّ لنا ما نريد، على أنّنا نعيد الترتيب كلّ أسبوع، فمن كان نصابها عالياً هذه المرّة، يخفف عنها في الأسبوع القادم، والعكس.
لعلّه من حسنِ حظّنا –لا أدري- أن غابت ثلاث معلمات في ذلك اليوم، فوقّعت كلّ واحدة منّا على الاحتياط، ورغم ما حصل، إلا أنّها كانت فرصة للتعرف على الطالبات عن قرب، ومخالطتهنّ. كان الاحتياط المعهود لي في الحصّة السادسة!!، وكلّما دقّ الجرس دقّ قلبي معه يعلنُ قرب الموعد، ويا له من موعد!!.
(3)
في الحصّة الثالثة دخلت مشاهدة لأستاذة المادة وهي تشرح للصفّ الأوّل ثانوي مادة البلاغة، وذهلتْ…
رأيتُ العجبَ بأمّ عينيّ، أستاذتهم عاجزة عن السيطرة عليهنّ، الطالبات في المقاعد الخلفية يتحدّثن، ومنهن نائمة، ومنهنّ من تلعبُ بالكرة !!! ومن تشارك تتعمد رفع صوتها مشوشة على البقيّة الاستماع للدرس!!.
يا ويحَ قلبي*.. طوال الحصّة وبالي مشغول كيف سيكونُ وضعي معهنّ، وأنا المقرر عليّ أن أشرح لهنّ في الأسبوع القادم درس أسماء الإشارة في النحو!.. يا ربّ كن معي..
عندما انتهى الدرس خرجنا، وقابلنا المعلمة، قالت لنا: أتوقع أنّكنّ صدمتنّ، هكذا الأجيالُ الجديدة، ليست كالسابقة تحترمُ المعلّم وتقدّره، وأنا بعدما يئستُ منهنّ صرتُ أخصم من درجاتهنّ، ومع هذا لسنَ مباليات!!
عدتُ بخيبة كبرى، ورأسي من هول التفكير والهمّ يكاد يسقط من علِ، مع أنّ الأستاذة منحتنا حقّ التصرّف في الدرجات لعلمها المسبق بطالباتها الفظيعات!!، إلا أنني اعتذرت وآثرتُ أن أخوض المعركة دون اللجوء إلى الخطّ الأحمر الذي يشي بضعفي وعجزي عن إدارة الفصل والتحكم فيه.. لستُ أدري إن كان قراري صائباً، أم أنّه تمسّك بما بقي من الثقة خشيّة أن تضيعَ ويضيع معها كلّ شيء.. كلّ شيء!!.
عدتُ إلى الغرفة، كانت إحدى زميلاتي للتو فرغت من الاحتياط الموكّل إليها، سألتها بإشفاق: أأنت سليمة؟؟!!، قالت: أعانكِ الله، اضطررتُ لأن أصرخ عليهن مع أنني كنتُ أرفض ذلك، ولكنهنّ أجبرنني على ما لا أريد!!، و…. مضت كيف شاء الله لها أن تمضي!.
كانت واحدة تتعمّد إثارتي: خالدة بقيت عشر دقائق على الحصّة السادسة.. بقيت خمس دقائق.. دقيقتان!! ، ودقّ الجرس..
(4)
صعدتُ إلى الفصل، 2/1 أدبي، المغامرة التي لن تمحى من الذاكرة، لقيتُ الطالبات متجمهرات عند الباب، طلبتُ منهنّ الدخول وأنا أشيرُ بيدي إلى الداخل، بينما يتصايحن محتجات: (أستاذة فراغ، أستاذة نبغى نتنفس، أستاذة ممكن أكلم فلانة، أستاذة أبغى الحمّـااااام، أستاذة بكلم مربية الفصل، أستاذة بروح أشتري، أستاذة بسرررررعة بعطي وحدة شي، والله أرجع .. والله والله يا أستاذة!!)..
كلهنّ في وقت واحد يتكلمن، واحدة عن اليمين، وواحدة من خلفي، والثالثة لا أدري لعلها من فوقي!!، وأنا أشيرُ رافضة لكلّ الطلبات ما لم يدخلنّ إلى الفصل، ثمّ لا بأس أن تستأذن واحدة تلو الأخرى.
دخلنا إلى الفصل، إزعاج لا يضاهيه إزعاج!!، رفعتُ صوتي: بنات أرجو الهدوء، أريدُ أن أتكلّم معكن قليلاً، نطّت واحدة في وجهي: أستاذة إيش تدرسينا؟، قلت لها: ارجعي إلى مكانك وستعرفين. تكدّسن مجموعات، كلّ مجموعة تنافس الأخرى في الكلام بصوت أرفع، وفي عمل حركات تستفزّ الحليم، فلاتَ حين حلم.
واحدة أخذت ترقص بينما تغنّي لها الأخرى، وواحدة هجمت على صاحبتها وعضتّها!!، وواحدة يبدو لي أنّها هبطت من المريخ فما انتبهتُ لها إلا عند أذني وهي تصرخ: أستاااااااااااااااااذة، فقفزتُ إلى الخلف مرعوبة: بسم الله، ماذا تريدين؟ أجابت: أبغى فلانة!!!!!.
كنتُ أنوي الجلوس معهن، أن أتحدّث معهنّ، وهيهات لي ذلك.. عندما يكون صوتك ذا نبرة منخفضة، يستحيل أن تجاري طالبات خلقن فيما يبدو بحنجرة حديديّة!!، وعندما تكون ذا وجه بريء، لا يحمـل معالم الشدّة، يستـحيل أن تتّخـذ موقفاً صارماً، لأنّ ملامحك ببسـاطة تفضحـ ـ ـك!!.
(5)
كلّ ما استطعتُ القيام به، وأدركتُ حينها أنني لا أصلحُ للمهام الجبّارة، لا هيئة ولا صوتاً، ولا صرامةً حتّى إنّ واحدة صرّحت بها قائلة: (أستاذة أنت حليلة*؟ الحلالة ما تنفع معانا)!!.. ولعلّ الأخرى كانت أشدّ صراحة حينما قالت: (أستاذة بقولك شي، ترى المعلمات عجزوا عنّا، إحنا فصل مشاغب، والأستاذات صاروا يقفلون باب الفصل، نسوي اللي نبغاه، وهي تجلس بره إلى ما تنتهي الحصّة)!!، أجبتها ببرود: وأنا سأجلسُ داخل الفصل، ولكنّ أن تفعلن ما تردن، لأنّها حصّة فراغ، أنا ما أتيتُ لكي أتحكم بحريتكنّ، ولكن أريدُ بعض الهدوء –ورفعتُ صوتي- والالتزام بالآداب العامة، وكلكنّ يعرفنها!!.. فردّت واحدة بصوتٍ لا أجاريه طبعاً: (يعني قلّة الأدب في بيتكم!!).
صرتُ أدور على المجموعات، وأخاطبها على حدة، أتكلم معهن أرى بماذا ينشغلن؟، فأخذت واحدة تسرد عليّ نكتاً *، وبالطبع كنتُ مجبرة –مراعاة لها- على الضحك!!، أو على تمثيل الضحك، ونفسي بلغت أوّج إحباطها!!.
الشيء الوحيد التي خرجتُ به متفائلة، هو ابتسامة مجموعة الطالبات اللواتي استرسلتُ في الحديثِ معهنّ، وعن اهتماماتهنّ، فبادرتني واحدة: أستاذة سواليفك* حلوة J..!
ودقّ الجرس معلناً الفرج، وكنتُ أنتظره على أحرّ من الجمر، فقلتُ للطالبات وأنا خارجة: شكراً على لحظاتِ الإزعاج المفعمة التي منحتنّني إياها، السلام عليكنّ.. وخرجت وأنا في حالة يرثى لها!! أفكرّ في صاحبتي التي ستشرح لهنّ الأسبوع القادم درس النحو، فقلتُ في نفسي: الله يعينك يا مشاعل..
انتهى اليوم الأوّل.. والقادم أجمل بإذن ربّي!!..
وقفة: عندما تحمل رسالة تربوية وهدفاً تريد أن تتركَ له أثراً في النفوس، يجدرُ بك الصبر.. وأن تحافظ على ابتسامتك التي لن ينساها لك الآخرون مهما كان..!
يتبع..
———————-
* حليلة، أيّ: طيّبة وحبيبة.
* نكتاً، جمع نكتة، أي: طرفة.
* سواليفك، أي: كلامك وحديثك.
* يا ويح قلبي: ذكرك الله بالخير يا أ. هدى، لهذه الكلمة رائحة الذكرى، فكثيراً ما كنتِ ترددينها..!

عليكِ بالصبر , فمازلتِ في أول الطريق , شيئًا فشيئا ستحسنين التعامل معهن…
إيمان بنت سليمان الخليفة
أبريل 16th, 2009
ياالله!
وكأنك تتكلمين بلساني !
خرجت مني تنهيدة غريبة حين انتهيت من قراءة المذكرة =(
وفعلاً
(الله يعينك يا مشاعل)
ويعينك أنتِ أيضاً على 1\3 ولكن نصيحة أخت قولي لهم اسمك بالكامل قلب أن تسلمي عليهن حتى تسلمي من الصداع :s
أسأل الله الكريم أن يعيننا جميعاً
خالدة :
هنيئاً لي بزمالتك في مجال (التدريس)
دومي متألقة =)
mesho0o~
أبريل 16th, 2009
أهلاً بك أ. إيمان..
نورت..
خالدة..
أبريل 16th, 2009
حيّ الله مشاعل..
الله يعيننا جميعاً..
خالدة..
أبريل 16th, 2009
يااااااااه!!
ببكي والله ببكي
أنا الآن جالسه أحضر لدرس الحديث بدخل بكرا ع أول متوسط
مررره شايله هم!!
الله يعين ويسهل =D
arwa
أبريل 19th, 2009
هههههههههههههههههه
كـآن آلله بعونكنّ جميعـاً ,
حينمـآ تنتهين من فترة التطبيق آتوقع – بظني – آنكِ سوف تشتاقين لهـآ =) ..
بـآنتظـآر آلحلقة القـآدمةبشغفٍ .. =$
NoOoNeEe ..*}
أبريل 21st, 2009
أروى..
يبدو أنّ المقولة ينبغي أن تكون: عند التطبيق يكرم المرء أو يهان، لا عند الاختبار..
فعلاً التجربة الحقيقية هي قدرتك على ممارسة ما تعلمتيه في وسط مختلف..
تحيتي لك..
خالدة..
أبريل 21st, 2009
نوني..
..
آمين.. آمين..
وهكذا بظنّي أيضاً
تحيتي..
خالدة..
أبريل 21st, 2009
والله هذا كلامك يا خالدة أجل أنا وش بقول
،، وين جرعة الدفع المعنوي اللي عطيتيني اياها هذا وأنا مستلمه متووووسط
!
ويح قلبي
شمّاء القحطاني
مايو 3rd, 2009
الله يعين بس والله خوفتوني أنا بمستوى سادس ومن الآن خااااااايفة من التطبيق..
وعلى قولة شماء هذا كلامك ياخالدة أجل أنا اللي أستحي من ظلي وش بسوي؟؟؟؟؟
ميساء
مايو 5th, 2009
شماء..
لا عليك.. خذي نفساً عميقاً، وامضي والله معكِ..
خالدة..
مايو 7th, 2009
ميساء..
هي مغامرة.. لها صعوبتها، ولها لذتها..
بالتوفيق..
خالدة..
مايو 7th, 2009
أتخيلك خالدة في ذلك الموقف
(بملامحك البريئة التي تفضحك على حد تعبيرك).
من نعم الله علي أن التطبيق كان مع المرحلة المتوسطة.. أعانك الله.
سعيدة جدا بقراءة مذكراتك.. سأمر بالبقية ان شاء الله.
جمان
مايو 9th, 2009
جمان الغالية..
سررتُ بحضوركِ كثييييييييراً..
حياك ربّي..
خالدة..
مايو 15th, 2009
مدرسة 127 انا بروح السنة الجاية فيهااروح ولالا
الحب الخالد
يوليو 6th, 2009