الأدب الإسلامي.. والآخر..    روايات أحببتها: تحت سماء كوبنهاغن..    روايات أحببتها: (تلك العتمة الباهرة) و (أموات بغداد)..    محاولة فقط..!    د. حسين علي محمد.. أستاذي    الديوان والغربال: دراسة في التشابهات والاختلافات..    (كلماتٌ متأرجحة) قراءة في الشكل والمضمون..    كانت ولمّا تزل في دهرها قدسا..!    هدية..!    الانفعال عند شعراء القصيدة الواحدة..    كذبةٌ بيضاء..!    ألا قبلُ.. ألا بعدُ..!!    انتباهةُ مطر..!    انتفاضة طهر.. إلى روح الشهيدة/ مروة الشربيني    عهد كذوب..!    قصيّة الجرح..!    من بعدكَ أيّها المتنبي.. كم شاعرًا ستقتله قصيدة؟!..    كانت.. وكانت..!    مذكرات طالبة تطبيق .. (الحلقة الاخيرة)    مذكرات طالبة تطبيق (5)..

اليوم الثاني- الأربعاء 26/4/1430هـ:

رشفة تفاؤل ..

(1)

صباحٌ جديد، وإحساس يمتزجُ فيه الترقّبُ والتوجّس.. طوال ليلةِ البارحةِ وأنا أعدُّ أوراقَ العمل والبطاقات ولوحة الأمثلة… الخ من ترتيبات الدرس المعهود إليّ: درسُ أسماء الإشارة للصفّ الأول الثانوي.. انتهيتُ في الثانية والنصف صباحاً بأعصابٍ متوترة، وذهنٍ شاردٍ في الغد.. آه منكَ أيّها الغد!!..

بذلتُ محاولتي لأظفرَ بساعةِ نومٍ على الأقل، كم أشعر بالرهق والتعب يدبّان فيّ، يداي ترتعشان، وقلبي يخفق بعنف، أغمضتُ عينيّ، ورحتُ أستجدي حلماً ناعماً يسرقني ممّا أنا فيه، فإذا الكوابيس تنهالُ عليّ رجوماً..!

يا إلهي، فصلٌ يحترفُ الإزعاج، كانت الطالبات من هوله يتقافزن !!، صوتي يختنق، أتوسّل إليهنّ بنظراتي.. المشرفة حاضرة بآخر الفصل، لم تحتمل، وبختني أمام الطالبات: ما هذا يا خالدة؟؟!! … صحوتُ شاهقة، تعوذتُ بالله، وانقلبتُ على جنبي الآخر..  

دخلتُ الفصل، هدوء مريب، لو سقطت إبرة على الأرض لسمعتُ صوتها، بدأت أشرح، وهنّ ينظرنَ إليّ مسندات خدودهنّ على أكفهنّ، سألتهنّ، لم تتحرك أيّ واحدة، كأنّهنّ تماثيل، أخذتُ أترجاهنّ: شاركن معي، ألم تفهمنَ الدرس؟ ولا إجابة.. نظرتُ إلى المشرفة وغصةٌ تحرقني: ماذا أفعل؟ ، فإذا بي أصحو لأدرك أنّ الأحلام لن ترحمني هذه الليلة..!

(2)

دق المنبّه، نهضتُ برأسٍ ثقيل فرط التفكير، وجسدٍ هدّه السهرُ والنوم القلِق، أحسستُ بحاجتي لكوب قهوة يبعثُ فيّ روحاً، ويهبني نشاطاً، حضّرته وأخذتُ أتجهّز للذهابِ إلى المدرسة، وبعدها نظرتُ نظرة أخيرة في المرآة، وبكيت..

انسكبت دمعاتي ثقالاً، انزويتُ في سريري وأفرغتُ ما في نفسي، ثمّ نهضتُ لأغسل وجهي، شعرتُ بعدها براحة كبرى، تنفستُ بعمق، ولبستُ عباءتي، وحملتُ أغراضي وخرجتُ من البيت.

(3)

دخلتُ إلى المدرسة، توجّهتُ إلى غرفة المساعدة لأوقّع حضوري، وصعدتُ إلى غرفتنا في الدور العلوي. طبعاً لا تخفى موجة الغياب التي تسبق أيّ إجازة، ومذ دخلتُ المدرسة لاحظتُ ذلك، كانت عندي الحصّة الأولى، ويجدرُ بي النزول إلى الطابور الصباحي لاصطحابِ الطالبات إلى الفصل، شاورتُ زميلاتي على عجالة-إذ كنّا ثلاث طالبات سنشرح ذات الدرس على ثلاث فصول- : يبدو أن الفصول ستجمع، ماذا بشأنكِ يا إيمان؟ واتفقنا مبدئيّاً على اقتسامِ الدرس، ثمّ نزلت إلى الساحة.

وقفتُ بجوارِ الطابور دقائقَ معدودة، ثمّ صعدنا إلى الفصل قبل بدء الحصّة، توزعت الطالبات على الكراسي، فأمرتهنّ بالتقدّم: لا أريدُ أن تجلسَ طالبة في الخلف، وأمامها كرسيٌّ فارغ. دخلت المشرفة، وجلستْ في آخر الفصل، طلبت منّي طالبة أن تتفقّد الأخريات ممن لا يعلمن بالجمع، فأذنتُ لها على أن تعود بسرعة، لأني سأبدأ الشرح في تمام السابعة.

تحرك عقربَ الساعة ليعلن بدء المغامرة، بسملتُ وحمدلتُ، وتوجهتُ للطالبات: درسنا في الحصص السابقة أنّ الاسم نوعان: مـ ـعـر…، فرفعن أيدهنّ: أستاذة.. أستاذة، أشرتُ إلى واحدة: تفضّلي، فأجابت: معرفة ونكرة.

- أحسنتِ بارك الله فيك..من تعدد لي أنواع المعارف؟

- العلم.

- الضمير.

- المعرّف بأل.

- المعرّف بالإضافة.

- الأسماء الموصولة.

- أسماء الإشارة.

- أحسنتنّ.. أحسنتنّ واليوم بإذن الله سوف نتمّ دراسة المعارف، ودرسنا هو: أسماء الإشارة..

كانت فكرتي، أنّ أجعل الدرس على مراحل، لكلّ مرحلة ورقة عمل خاصّة بها، لعلّ ذلك يبعد الرتابة ويبثّ روحَ التجديد.. أوزّع الورقة الأولى على البنات، نقرأ الأمثلة، نقف مع كلّ مثال؛ لنستخرج وفقاً للجدول الذي تضمنته، ثمّ أوّزع الثانية فالثالثة وهكذا..

وبالمقابل، قمتُ بتصوير مجموعات الأمثلة مكبّرة، وعلقتها على السبورة؛ لأتابع مع الطالبات الاستخراج والاستنتاج.

أعترفُ بأنّ الربكة شوّشت عليّ تنظيم معلوماتي، وزادها انزلاق ورقة الأمثلة المثبّتة على السبورة، وزادها أيضاً نقصان أوراق العمل، ولا أدري كيف فاتتني مسألة جمع الفصول، بالرغم من كونها متوقّعة..!

كنتُ أعتمدُ على ذاكرتي في متابعة استخراج الطالبات وفق أوراقِ العمل، وأحياناً أقدّم نقطة على أخرى، فإذا بطالبة: أستاذة تقدّمتِ.. أستاذة تأخّرتِ.. على أنّهنَ كنّ متفاعلات بحيويّة.

انتهينا من الأمثلة والاستخراج، كانت معي بطاقات كتبت فيها أسماء الإشارة، وأخذتُ أسأل الطالبات: ما اسم الإشارة للمذكر المفرد؟ فتجيبُ واحدة، فألصقُ البطاقة على السبورة، حتّى فرغنا من التعداد…..ثمّ توجّهتُ لهنّ: عندما نقول النحو، فإن قولنا يستلزم…؟؟؟؟، فأجبن بصوتٍ واحد: الإعراب..

قلتُ لهنّ: ونحنُ لم نتطرق للإعراب في حصتنا، تأملنَ معي في البطاقاتِ، تعرفنَ المعربَ والمبني؟؟؟ فأجابت طالبتان. سألتهنّ ما ظنّكنَ بأسماء الإشارة؟ هل هي مبنية أم معربة؟ وماذا بشأن: ذانِ وتانِ؟………الخ..

أدري بأني قصّرتُ في حقّ الإعرابِ كثيراً، وكانت تنبغي لي إزاءه وقفة أطول وأحكم، بيد أنه تسرّبُ الوقتِ منّي، خفتُ أن تنقضي الحصّة دونَ التطبيق على الدرس..

وزّعتُ ورقة التطبيق على الطالبات، وكانت تتضمّن نماذج إعرابيّة للدرس، وأخذتُ أدور بينهنّ أشاهدُ حلولهنّ، وأصوّبُ لهذه، وأوضّح للأخرى.. وأشيدُ بحلّ ثالثة..

لعلّي أخطأتُ في تخطيطي لسير الدرس، ولا أدري إن كانت التجربة الأولى تشفع لي أم لا؟!، أردتُ بتأجيلي الإعراب أن أبنيه على مكتسباتهنّ السابقة، بأن أعرفهنّ على الجديد في درسنا، وأتركُ لهنّ معرفة الباقي واستخراجه ممّا درسنَه سابقاً..!

وكنتُ أطمح بعد أن يقمنَ بحلّ التطبيق أن نحلّه سويّة على السبورة، فنعربُ معاً، ليتضحَ لهنّ ما أشكل..! غيرَ أنّ جرس الحصّة أعلنَ انتهاءها..!!

لملمتُ أغراضي بمساعدة مجموعة من الطالبات، ثمّ التفتُّ للجميع وأنا خارجة: شكراً.. شكراً على تفاعلكنّ المذهل، بحقّ.. كنتنَّ رائعات..

(4)

قصّرتُ.. نعم، ولكن أكبرَ شيء خرجتُ به من هذه الحصّة هو كسر حاجز الرهبة، شعرتُ بأريحيّة عجيبة تملؤني وأنا أتحرك في الفصل وأسأل الطالبات، حتّى إن المشرفة قالت لي: خالدة يكفيني وجهكِ المشرق.. وابتسامتك التي لم تفارقكِ طوالَ الدرس ..!

بل أكبر منه ما عرفته لاحقاً، أنني كسبتُ الطالبات، وأنهنّ ترجينَ أستاذتهنّ ألا يدرسهنّ غيري!!.. واحدة سألتني: أستاذة أيّ أولى تدرسين؟؟، قلت لها: أدرس كلّ الفصول، قالت: الحمد لله، يعني بتدخلين على فصلنا ..:)

عندما صعدتُ إلى غرفتنا بعد انتهاء الحصّة، قابلتُ المشرفة، قلتُ لها مازحة: ها يا أ. مزنة جاك الموت يا تارك الصلاة !!، فردّت عليّ باسمة: بإذن الله خير..

زميلاتي تجمعن حولي: كيف الحصّة؟ كيف كان وضعكِ مع أ. مزنة؟ كيف الطالبات؟ فأخذتُ نفساً عميقاً عميقاً، وأجبتهن: الحمد لله حمداً يليقُ بعظمته وجلاله، والله والله ما كنتُ أتوقّع أن يمرّ الدرس هكذا!!.. وعلمتُ حينها أن المشرفة طلبت من إيمان ألا تقطع عليّ الدرس كما اتفقنا بدءاً !!..

عندما جلستُ مع مشرفتي.. أبدت ملاحظاتها وانتقاداتها لي، ووجهتني إلى ما كان يجدرُ بي القيامُ به، وكان أكثرها مأخذاً عدم ضبطي للطالبات..!

طبعاً شعرتُ بشيء من الفوضويّة تسري في الفصل، ولاحظتُ طالبتين في الخلف تتحدثان بعيداً عن الدرس، وأخرى سارحة في عالم آخر، غير أنّي ما استطعتُ تبديل هيئتي، وظللتُ على ما أنا عليه باسمة، متابعة لدرسي.. لم أقم بشي سوى محاولتي لإثارتهنّ بتوجيه الأسئلة، والحثّ على المشاركة، ثمّ توجهتُ لهنّ فيما بعد مستفسرة وعاتبة..!

(5)

لم تكن عندي غير تلك الحصّة، وأخبرتُ باحتياط عند 2/1 أدبي في الحصّة السابعة، ودون هاتين الحصتين قضينا أوقاتاً مفعمة مع مشرفتنا.. ضحكنا وتناقشنا في بعض الأمور، والجلسة لا تحلو إلا بفنجان القهوة.. والتمر !!..

وعندما جاءت الحصّة السابعة، ذهبتُ إلى الفصل أنا ومشاعل، لم يكن الأمر مرهقاً كما الاحتياط الماضي، إذ غاب الأغلبيّة ولم يحضر غير أربعِ طالبات، جلسنا معهنّ.. تحاورنا.. وكانت جلسة جميلة.. استطعت فيها تحقيق هدفي المنشود، أن أتكّلم مع البنات بصراحة دونَ أيّ تردد أو خشية..!

 

حمداً لك يا ربّي.. يسّرتَ لي أمري.. ووهبتني من فضلك..

شكراً أ. مزنة.. وثقي أنّ القادم أجمل.. وأحلى.. وأكثرَ عطاءً وتمكنّاً..

وإلى ذلك الحين.. أندى تحيّة..

همسة: قلتُ لإحدى زميلاتي يومها: تدرين ما أنفعُ التطبيق؟ قالت: ما هو؟ قلتُ: أن تكتشفي نفسكِ، فكثيراً ما نظنُّ بأنفسنا غيرَ ما نحنُ عليه في الواقع..!

12 ردود ل “مذكرات طالبة تطبيق (2)..”

  1. بداية تبشر بالخير …

    والقادم أفضل بإذن الله .

    إيمان بنت سليمان الخليفة

  2. استطعت فيها تحقيق هدفي المنشود، أن أتكّلم مع البنات بصراحة دونَ أيّ تردد أو خشية..!
    ^^
    ^^^
    ^^^^
    قد لا تواجهين مشكله في ذلك بقدر ما تواجهينها في انتقاء موضوع تناقشينه مع الطالبات،،

    وخصوصاً طالبات المتوسط
    وحين ينتهي النقاش ويعلن الجرس نهاية الحصة،، تخرجين بكم هائل من المعجبات!!!

    لا بكلامك ولا بأسلوبك!!

    وإنما بلبسك وشعرك

    وحتى طريقة ضحكتك!!!

    ///

    بجد صرت أخاف ادخل انتظار لوحدي!!

    ربي يسهل ويعييييين .

    تحياتي خالدة..

    arwa

  3. أهلاً أ. إيمان..
    أقول: يا ربّ..
    لك التحية..

    خالدة..

  4. أروى..
    معكِ حقّ وربي فيما قلتيه، ولكن إذا أخبرتكِ أنني لم أنتقِ موضوعاً أتناقشُ فيه مع الطالبات!!، وإنّماجعلتهنّ يتحدّثن فتحدّثت معهنّ ببساطة (سولفنا)!!، فإذا أردتِ تقييم ما جرى بيينا فلا يكاد يكونُ شيئاً، وإنّما اكتسبتُ به الطالبات..
    أروى..
    بعض الطالبات صارحنني بعلاقتهنّ مع الشباب، وبعضهن بمواقف لا تخطر على بال!! اللهم استر على بنات المسلمين..
    أحسستُ وقتها أنني بحاجة لأكونَ واحدة منهن.. قريبة.. لا واعظة.. أسمعهنّ وأعرفُ تقييمهنّ لما يفعلن، ودوافعهنّ لذلك!!
    أعان الله الجميع..
    لكن نصيحة من أختٍ كوني لهنّ أختاً، واسمعي منهنّ، ولا تتعجلي بالحكم والتوجيه، فإنّ لذلك أكبر الأثر، ولو فتحن لك موضوعات تافهة.. فجاريهنّ بها..
    تحيتي لك..

    خالدة..

  5. خالدة ..

    مذكرات رائعة آسرة الأسلوب ..

    طالبة تطبيق ..

    و العجائب تأتي مع ذلك اللقب ..

    استمري على طريقتك مع الطالبات موفقة مسددةوسترين ما يرضيك بإذن الله ..

    زادك الله علما وحكمة ..

    و أنالك كل خير ..

    ابتهاج روح ~

  6. جميلةٌ هـي مذكرآتكـ،

    ومُـبـآركـ،ِلكِ مرور آول تطبيق بخيرٍ وسـلآم =)

    هـل كـآن تطبيقكـ، تقييم لكـ، ؟

    مـآدآم أن سير آلتطبيق سـآر على ـآآ آفضل مـآيُـرآم مـن آلآفضل – برآيي – آنه يكون من ضمن حصص آلتقييم =) ..

    أحببت أن أشـآرككـ، متعة آلتطبيق ,

    وُفقتِ غـآليتي , (F)

    NoOoNeEe ..*}

  7. ابتهاج..
    أهلاً بكِ..
    الروعة بكِ تكتمل..
    تحيتي..

    خالدة..

  8. نوني..
    أول حضور لإبداء الملاحظات..وما بعده للتقييم..
    سعيدة بمتابعتك..

    خالدة..

  9. خالدة..

    تذكرين كم مرة سألتكِ؟

    خالدة.. ماذا فعلت بالفصل؟ كيف ضبطت الطالبات؟؟ إن كانت عشر مرات فهي قليلة..
    .
    .

    ** ذلك اليوم كانت حصة خالدة الأولى وأنا الثالثة كنت متوترة جدًا..

    أماني القفاري

  10. أمونة..
    خذي نفساً عميــــــقاً:)..

    خالدة..

  11. ما شاء الله.. سرد رائع وسلس يا خالدة.

    كنتُ متأكدة من قدراتكِ وموهبتك.. والأهم، كسبك لقلوب الطالبات.. لا يصعب مثل هذا عليكِ..

    ودّي

    جمان

  12. جمان..
    بكِ يزدهي المكان..
    ودي..

    خالدة..

إضافة تعليق