اليوم الأخير- الأربعاء 3/6/1430هـ
حنين..!
(1)
عندما نقف على النهايات كثيرًا ما نتحسس الذاكرة، نستنطق ملامح الأمكنة التي احتوتنا، في محاولة بائسة للصمود أمام فوضى الأحاسيس..!
بالرغم من قصرِ مدّة التربية العملية، وقلّة الحصص التي سُجّلت لنا لصغر المدرسة وجدّتها وقلّة فصولها، فقد كانت مشهدًا أوثقته التجربة الأولى، وكان لأيّامها التي خلعت علينا كساءَ المعلمة بكلّ تفاصيله.. حنيناً مميّزًا بلا ريب.
اتفقتُ مع زميلاتي في آخرِ أيّامنا أن نجتمع بمعلمات اللغة العربية والمديرة والوكيلة في جلسة قهوة صغيرة، نسدي الشكر على تعاونهنّ معنا، وإرشادهنّ لنا، ونقدّم لهنّ باقاتِ وردٍ صغيرةٍ احتفاءً بجميلهنّ.
توليتُ إعداد بطاقات الدعوة والشكر، فيما أحضرت أماني صحن (الشوكولاته)، ومشاعل القهوة، وحصّةُ باقاتِ الورد… كانت تلك الجلسة جميلة مع أنّها تغصّ برائحة الوداع، ومفارقة أناسٍ ما عرفناهم إلا مدّة يسيرة تركنَ لنا فيها أثرًا كبيرًا.
(2)
حصّتي الرابعة، الحصّة المشؤومة، في المراتِ الماضية تعمدتُ الهروب منها، غيرَ أنّي لم أفلح هذه المرّة، زيادةً عليها أنّني سأدخل لأول مرّة على الصف الثاني ثانوي، وزيادةً عليهما أنّني سأشرحُ درساً في النحو: الحال الجامدة والحال المشتقة، وهو درسٌ ليس باليسير، وإن كان خفف منه أنّ معلمتهن قد شرحت نصف الدرس، فبقي لي النصف الآخر.
عندما ضربَ الجرس بادرتُ إلى الفصل وأنا أعزّي نفسي أنني سأخوضُ معركةً في تجميع الطالبات بعد الفسحة، وانتظامهنّ في مقاعدهنّ، ومن ثمّ استعدادهنَ للاستماع للدرس..!، لم يكن في الفصل إلا خمس طالبات، طلبتُ من واحدة أن تناديَ الباقيات، واضطررتُ لرفع صوتي وزجرهنّ: الفسحة انتهت..!!، وفيما أعلم أنّ الحصّة الرابعة ابتدأت، فأرجو الهدوء..!!
كان لزامًا عليّ قبل الشروع في الدرس أن أراجعَ لهنّ الجزء الأوّل، لأتأكد من فهمن له، فالجزء الثاني ينبني عليه… بدأتُ بالاسترجاع والفصل في قمّة الإزعاج، إذا التفتُ إليهنّ ساد شيءٌ من الهدوء، وإذا عدتُ إلى السبورة لأسجل النقاط الأساسية في الدرس ارتفعت أصواتُ الهمهمةِ والضحكِ، إضافة إلى المشاركة الجماعيّة التي أشبه ما تكونُ باختبار للحظ، فإذا ما سألت فكلّ واحدة تجود بما يخطر على بالها دونَ فهم!!.
توقفت عن الشرح، وتأملتُ فيهن ثمّ صرخت: ثاني علمي، بلغني أنّكم الفصل المهذب، الفصل المتميّز، أين التهذيب وأين التميّز وأينَ احترام الدرس واحترام المعلم؟!!، درسنا قصير، وأنا وعدتكن في بداية الحصة أن ننتهي باكرًا وأترك لكم بقية الحصّة، لكن بسبب إزعاجكن فلن أتمكن من الانتهاء، ولن تتمكنَّ من الفهم، وليس من خاسرٍ إلا أنتن..!!
(3)
حتّى هذه اللحظة لم تحضر مشرفتي بعد، فقد تعارض موعد حصّتي مع أماني، فأخبرتنا بأنّها ستحضرُ النصفَ الأول من الحصّة عند أماني، والنصف الثاني عندي، ونوعًا ما استطعتُ السيطرة على الوضع قبل مجيئها، لكنّ الفوضى لم تندثر تمامًا..!!
عندما لمستُ مستوى الطالبات الرهيب جدّاً في مادة النحو، أيقنتُ أنّه لا بدَ من مراجعة شاملة للدرس السابق، فكأنني أعيدُ شرحَ الدرسِ من جديد، سألتهن وهنّ في قمّة الانتشاء: يا شاطرات، هل تعرفن ما الفرق بين الجامد والمشتق؟… سكونٌ مريبٌ ساد في الفصل، فقلتُ:
- ما دمتن لا تعرفنَ الفرق فلماذا ترمين الإجاباتِ عبثًا؟!! عجبًا لكنّ يا ثاني!!
- أستاذة: المشتق الذي يشتق من الفعل، والجامد لا يشتق، هكذا قالت لنا أستاذتنا.
- طيّب جميل، سأعطيكنّ كلمات وأريد منكن أن تفرقن بينها من حيث الاشتقاق والجمود تبعاً للتعريف السابق، هل تستطعن؟
هززنَ رؤوسهنّ نافيات، فطلبتُ منهنّ أن ينتبهنَ معي لأشرح لهنّ القاعدة العامة في المشتق والجامد، وحرّصتُ عليهن بأن يركزن معي لأنّ هذه القاعدة ستعينهنّ كثيراً… رسمتُ رسمًا بيانيًّا لأنواع دلالة الكلمة في العربية: ما يدلّ على ذات، ومثلنا عليه، وما يدلُّ على معنى ومثلنا عليه، وما يدلّ على معنى وذات معًا ومثلنا عليه، وهكذا اتضحّت الصورة في أذهانِ الطالبات.
وفي الجهة المقابلة للسبورة، رسمتُ لهنّ خريطة ذهنية، وأنزلتُ عليها معلومات الدرس السابق بطريقة السؤال والإجابة، حتّى إذا خلصنا إلى الدرسِ الجديد، وضعتُ لوحة الأمثلة أمامهنّ، وتركتُ لهنّ استخراج الشاهد، واستنتاج القاعدة بناءً على المعلوماتِ السابقة.
(4)
معروفٌ أنّ الطالبات بعد الفسحة يمتلئنَ نشاطًا وحيوية، وعليه فمن الصعبِ السيطرة عليهن، ومن ذلك أنّهن إذا أجابت واحدة، صفقن بصوتٍ عالٍ، وفي مرّة سمعتُ تصفيرًا، فقلتُ بحزم:
- أذنتُ لكنَّ بالتصفيق من بابِ التشجيع، أما التصفيرُ فلا، نحن بحضرةِ درس لا مسرحيّة ولا حفلة، تصفيق فقط!
خشيتُ بعد كلامي أنّ تتعمد إحدى الطالبات استثارتي بالتصفيرِ خلسة، ودار بذهني ما الذي يجدرُ بي فعله إذا ما حدثَ هذا؟!… بحمد الله لم تتجرأ واحدة على ذلك.
عندما أنهيتُ الأمثلة دخلت المشرفة، فأعدتها بسرعة من بابِ المراجعة، واستنتجنا القاعدة معًا، وأنزلنا المعلومات الجديدة على الخريطة الذهنية، فلم يتبقَّ إلا التطبيق.
فكرة التطبيق عبارة عن مجموعة كلمات تضعها الطالبة في جملة مفيدة تكون فيها حالاً، ثمّ تبين لي نوع الحال من حيث الجمود والاشتقاق والتأويل وعدمه… كانت مشاعل قد حذرتني من هذه الفكرة، إذ سبق لها أن نفذتها مع إحدى الدروس، فتلقّت جملاً عجيبة.. بل متناهية في العجب!!، وكأننا نتكلم بلغة لا تمتُّ إلى العربية بصلة!!.
لم أرغب عن نصيحتها، ولكنّي وجدتُ هذا التطبيق خيرُ تمرين يقيّم فهم الطالبة للدرس، وإتقانها لمهاراته، فآثرتُه ممنية نفسي بتحدي تلك الهمجيّة والوقوف في وجهها، فكانَ أن تعرضتُ لصدمة أذهلتني مذ دخلتُ على الفصل وقبل أن أبدأ بالشرح عندما قالت لي إحدى الطالبات:
- أستاذة لا تتكلمين بالفصحى، اشرحي لنا بالعامي!!
- بالعامي!! أيّ مادة هي النحو؟
- من مواد العربي يا أستاذة… بس..
- بدون (بس)!!، ما دمتُ أشرح مواد العربي، فيجدرُ بي أن أتحدث بالعربية الفصيحة، كيف أشرح لك قواعد اللغة بالعامية!!
- أستاذة تعبنا، كل الأستاذات يتكلمون بالفصحى!!
- لأنّها الأصل، لأنّ المفترض أن نتكلم جميعًا بالفصحى في جميع شؤون حياتنا، وأنت تريدين منّي أن أدرسكن بالعامية!!، هذا لن يكونَ أبدًا!!.
أما صدمةُ التطبيق فحكايتها حكاية، فالطالبات صنعنّ جملاً فريدة من نوعها!!!، وكلّما ذكرت طالبة جملةً تضاحكنَ عليها، فآثرتُ أن أخوضَ معهنّ في مَرَحِهنّ، وفي نفس الوقت أقفُ عند الجمل الخاطئة، وأطلبُ منهن تصويبها، وهكذا انتهى الدرسُ قبل نهاية الحصّة بخمس دقائق.
خرجت المشرفة فالتفتُّ إلى الطالبات: تمّت الحصّةُ..
- بصوتٍ واحد: جميلةً..!!
- أعجبتني مشاركتكن…
- أيضاً بصوتٍ واحد: كثيرًا.
- وساءني عدمَ انضباطكن …
- قليلاً..!!!
- فهمتنّ درسَ الحال…
- تمامًا..
كنّ يجاوبنني بصوتٍ واحد بلغ أعلى درجة، وما يلبثن أن يتمايلنَ ضحكًا بعد كلّ إجابة، فألقيتُ السلامَ وخرجت.
بعدما أنهيتُ هذه الحصّة، خلعتُ عنّي رداءَ المعلمة، فقد كانت آخرُ حصّة في عهدِ التطبيق… يا الله مرّت الأيامُ سراعاً، وها أنا بعد مشوار طويل أقف على عتبة التخرّج، فيما تطلّ الاختباراتُ بوجهها.. تعزينا في أواخر محطاتِ التعليمِ النظاميّة، وتدفعنا إلى تجاربٍ أكثر انفتاحًا ومغامرة!!.
طبعًا انتقدتني المشرفة لشغبِ الطالبات، لكنّها لم تتناقش طويلاً لا معي ولا معَ زميلاتي، فكلّ صغيرة وكبيرة قيدتها في الكشف، ووثقتها بالدرجات، وعندما نستلم الكشوف سيستبين كلّ شيء..!
وهنا أقف..
يخونني الكلام، وتخنقني المشاهد عندما تتداعى مفارقة.. !
هكذا الدنيا.. يا ربّ أحسن خواتيمَ أعمالنا..
توقيع أخير: تفارقنا الأمكنة.. لكنّما تظلُّ الأزمنة تلحُّ علينا بالحنين، وبين الزمان والمكان لقاءٌ لا يتكرر أبدًا..!! غيرَ أنّا ندرك بعدهما كم كان ذلك مدهشًا وفريدًا!!، ما أصدقَ المثل: عش حياتك !!
مودة عامرة
..
.
.
.
خالدة..

فجأة خلّصتُوا ؟
حسّيت صدق بتتخرجون !
.
يعني خلاص ما أقول لكم “أبلا ” بعد الآن ؟
.
استمتعتُ جدًّا بالتدوينات الأسبوعيّة ..
بالتّوفيق خالدَة ، وللصديقات ()
.
أفنان الصّالح
مايو 28th, 2009
مررت كثيرا ً من هنا ..
ولكنني دوما ًأقرأ بدون تركيز أو بدون وعي أحيانا !
لا أظن أنك تجهلين السبب ..
ولذلك أخرج بدون تعليق على أمل أن أعود يوما ً يصاحبني وعيي !!
ولكني خشيت أن يكون هذا اليوم المنشود بعيد جدا !
فآثرت أن أعلق هذه المره ..
ولا أستطيع أن أقول سوى
بوركت مساعيك
أطيب منياتي لك ِيا رفيقة الدرب !
حنان
مايو 28th, 2009
أفنان..
نزعنا رداء الـ (أبلا)!!
تمرُّ بنا الأيّام كلمحِ البصر..
لك ودي..
لا عدمتكِ..
.
.
.
خالدة..
خالدة..
مايو 29th, 2009
حنان..
أهلاً .. أهلاً
نوّرت الصفحة.. فتهللت..
أعانك الله.. ويسر أمرك..
ولا بدّ من تكرار الزيارة..
بانتظارك دومًا..
خالدة..
مايو 29th, 2009
يووو
غش غش
ليش خلصوا؟
إحنا باقي لنا الأثنين هذا
=/
لاء لاء غش
<<انتفخت!!
arwa
مايو 29th, 2009
أروى..
أحسن .. أحسن
/
\
/
مرورك سكّر ..
تحيتي..
خالدة..
مايو 30th, 2009
أروى..
.
.
تدرين ليه خلصنا بدري؟؟!!
لأننا قسم اللغة العربية.. قسم متمييييييييز.. سموا أنفسكم قسم اللغة العربية وتخلصون بدري..
هههههه
.
.
أماني القفاري
يونيو 1st, 2009
ياااسلاااام
والله انكم قسم متميز جدا
بس مو أميز من قسم الشريعه=d
عموما الله يوفق الجميع على قبالة هالاختبارات
ويارب نتخرج بسهوله وبدون تعقيد
وسلمين نفسيا وجسديا
ARWA
يونيو 8th, 2009
أراوي بلاش عصبيّة !!
..
ترى أنادي أهل اللغة.. ونحشد الجيوش
/
/
آمين ..
الله يوفق الجميع..
خالدة..
يونيو 8th, 2009
كأني معك في الصف
أُحييك خالدة
نوره
يوليو 12th, 2009
أهلاً بالنور..
ولك التحية طيّبة نديّة..
كوني بخير..
خالدة..
يوليو 13th, 2009