بسم الله الرحمن الرحيم
“الشعر هو فنّ تحريك أعماقِ الإنسان، هو إيقاعُ العبقريّة، هو بالمعنى الدقيق للكلمة، فنٌّ وسيطٌ بين فنون الصورة وفنون الصوت” نوفاليس- شاعرٌ ألماني.
كان الشعرُ ولمّا يزل سؤالاً يتمرّدُ على المحاولاتِ الحثيثة لإدراكِ جوهره وكنههِ النابضِ بالحيويّة، والحضورِ الانفعالي العظيم. ولأنّه كذلك استوثقَ بالقوى الخفيّة، من ربّاتِ الشعر العذراواتِ عند اليونان، إلى الرؤية الفحوليّة عند العرب التي أحالته إلهامًا تجري به الشياطين.
أينَ يكمنُ الشعر؟ وهل ذلك المكمن وجهٌ آخر للخلود، ما إن يباغتهُ الشاعرُ ذات انفعال، تتبدّى القصيدة مجللة مختومةً بختمِ البقاء الأبديّ في عالم الشعر؟، وإذا ما استحوذت قصيدة واحدة فريدة على تلك القيمة الفوّارة المتجددة التأثير، قصيدة اجتازت اختبارَ الزمان، تلقّفتها الألسنة والقلوب، وتجاوزت ذلك بأن شرعت نافذة إنسانية نطلُّ منها على تجاربنا ولحظاتنا الخاصة.
شعراء الواحدة ظاهرة محرّضةٌ على التحليل والدراسة، وهم الشعراء “الذين اشتهروا بقصيدة واحدة، أو اشتهرت لهم قصيدة واحدة، وجعلتهم في عداد الشعراء، سواءً أكان لهم غيرها أم لم يكن”[1]. يُذكرُ الشنفريُّ فلا نعرفُ له غير اللاميّة، ويذكر لسان الدين الخطيب فلا تحضرنا إلا تلك الموشّحة الباكية على أطلال الأندلس، ويذكرُ الطغرائي فتبادرنا لاميّة العجم جديرةً به دونَ سائرِ شعره.
بدا لي أن أقصر الدراسة هنا على ثلاثة من أولئك الشعراء، وهم: مالك بن الريب في يائيّته، وابن زريق البغدادي في عينيته، وديك الجنّ الحمصي في رثائيّته لزوجه، وما ذلك إلا لما نستشفّه ذاتَ قراءةٍ أولى من خيطٍ يربطُ بين الثلاثة، فكلّهم تنهضُ تجربتهم الشعريّة على ماضٍ كان يومًا خيارًا بين أيديهم فأضاعوه.
و”لأنّ الحقيقة الشعرية غير مستنبطةٍ من الحقيقة الاعتياديّة، بل من الممكن أن تكونَ الثانية مستنبطةً من الأولى”[2]، اتخذتُ من المنهجِ الأسلوبي الانزياحي منهجًا في دراسة الانفعال الشعري اللذي حفظ لتلك القصائد عبر الأزمنةِ وظروفها مكانتها الشعريّة.
- الانفعالُ والشعر:
الانفعال استجابةٌ لأنماطٍ مختلفةٍ من المثيرات الخارجيّة والداخليّة التي تظهر في قائمة المشاعر: كالحبّ والغضب والفزع والألم والقلق والنشوة… الخ.
والشعرُ مرآةُ الانفعال، بل هو المستنفرُ له، ولأنّه كذلك دفعَ بأفلاطون أن يتّخذ موقفًا سلبيًّا من الشعراء، فقرر طردهم من جمهوريّته. ذلك أنّ الشعر “عند المنطقيين قياس مؤلف من المخيلات، والغرض منه انفعال النفس بالانقباض والانبساط والترغيب والترهيب والتنفير”[3]. وهو يتأتى في سياقٍ انعكاسيٍّ بالدرجة الأولى عن حالةِ الشاعر، فالشاعر يعبّر عن الواقع من خلال انفعاله ، والدارس لولادة فنّ الشعر قديمًا يقفُ أمام فرضيّة حاضرة بمنطقيّة، فيفترض” أنّ الإنسان القديم قد لجأ إلى عبارات موقّعة، قد تكون ذات طبيعة سجعيّة أو لا، استجابة للحظات انفعاليّة، ربّما تكون مرتبطة بطقوس دينية أو سحريّة، أو بكليهما معًا، … وقد تكون هذه الأشكال الإيقاعيّة مرتبطة بحالة هياجٍ انفعالي لحادثة، أو موقف قتالي، أو انفعال بفجيعة ميّت، أو أداء طقوس هجائيّة أو جنائزيّة، أو نحو ذلك”[4].
تلك الحالةُ الانفعاليّة نستطيع أن نطلق عليها جوهرُ الشعر، لأنّ “الجوهر هو المعنى، وليس الحقيقة، فجوهر الماء هو الإرواء، وليس التركيب الكيميائي للماء، وجوهر الإنسان هو معناه المعاش، وليس التركيب العضوي له،… فجوهر المادة ليس التركيب الذري لها، بل إمكانية التقاط معنى ما في هذا التركيب”[5] وبقدر ما نتمكن من التقاط هذا المعنى وهذه الحقيقة نكون قد وقفنا على ذلك الجوهر.
وبالنظرِ إلى التشكيل اللغوي لكلمة (انفعال) نقف على:
· المطاوعة، من قولنا فعلتُ الشيء فانفعل، كقولنا: كسرتهُ فانكسر[6].
· الوقوع تحت التأثير، فهو”الهيئة الحاصلة للمتأثر عن غيره بسبب التأثير أولا كالهيئة الحاصلة للمنقطع ما دام منقطعًا“[7].
· الابتدائيّة، فالأفعالُ غايات، والانفعالات مبادئ، كالاتصال الذي هو مبدأ الوصول، والانجبار الذي هو مبدأ الجبر.
· اللزوم، فالانفعال لا يتعدّى إلى مفعول به، وإنّما يكتفي بفاعله[8].
· الحسيّة، فقد خصّ الانفعال بالمعاني المدركة بالحسّ، فلا يجوز قولنا: عدمته فانعدم، لأنّ (عدمته) بمنزلة (لم أجده).
وكلّ هذه المعاني اللغوية تساهم في فهم فكرة الانفعال، فهو شعور مطاوع يقع تحت تأثير، وهو يساهم في فعل آخر يولّد انفعالاً، فهي سلسلة من الإنتاج المستمرة المدركة بالحسّ التي تنكفئ على صاحبها، ولا تتعداه إلى غيره، بعكس الأفعال التي قد تثير انفعالاتٍ عند آخرين.
- الانزياح الأسلوبي:
جاء في اللسان في مادة (نَزَحَ): “نزحَ الشيءُ ينزحُ نَزْحاً ونُزوحاً بَعُدَ“، فالانزياح آتٍ من البعد. والأسلوب من مادة (سَلَبَ)، جاء في اللسان: “ويقال للسَّطْر من النخيل أُسْلوبٌ، وكلُّ طريقٍ ممتدٍّ فهو أُسلوبٌ قال والأُسْلوبُ الطريق والوجهُ والمَذْهَبُ“. فالانزياح الأسلوبي هو الأسلوب المبتعدِ عن الأساليب الشائعة في التعبير، وترد هذه القضيّة في الخلاف القائم في ماهيّة الشعر، فهل اللغة أداة الشعر بحيث يمكن الوقوف على جوهره من خلالها، أم أنّ الشعر هو اللغة ذاتها فخارج نطاق اللغة لا يوجد الشعر؟.
تنطلق هذه الدراسة من واقع الافتراض الثاني، الذي ينشأ عن كمون الشعرية في اللغة، وهي لغة مغايرة بلا شك عن اللغة العامة، وهذه المغايرة هي محكّ تجلّي الانفعال – الذي هو جوهر الشعر-المصاحب للشاعر عند ولادة القصيدة، وبالتالي فإنّ الكشف عن الانزياحات اللغوية عند أصحاب القصيدة الواحدة، يكشفُ لنا جوهر الشعر الذي امتازت به هاته القصائد.
فالانزياحُ “استعمال المبدع للغّة مفرداتٍ وتراكيبَ وصوراً استعمالاً يخرج بها عما هو معتاد ومألوف، بحيث يؤدي ما ينبغي له أن يتصف به من تفرّد وإبداع وقوة جذب وأسر“[9]، وقد جاء الانزياح في النقد المعاصر لدراسة لغة كلّ شاعرٍ لوحده، للتعرّف على لغته الشعريّة التي لا تتميّز عن غيره من الشعراء، وإنّما عن اللغة نفسها. وهو أداة في هذه الدراسة للكشف عن العلاقة القائمة بين الشعر والانفعال، والوقوف على التميّز الذي تحفل اللغة/ الشعر عند أصحابِ الواحدة، ولا ريب أن ثمّة خيط يصل بين تلك القصائد والواقع الشعري يشهد بذلك.
هذه الدراسة تناقش الانزياح عبر مبحثين:
· الانزياح الدلالي:
أ. الانزياح الزماني.
ب. الانزياح التصويري.
· الانزياح الإيقاعي.
_____________________________________________
[1] شعراء الواحدة، نعمان ماهر الكنعاني، منشورات مكتبة النقاء، بغداد، ط2، 1985م، ص:5 – وقد اعتمدتُ هذا التعريفَ خروجًا من مهمّة الرصدِ التاريخي للنصوص المحفوظة والضائعة.
[2] الحلقة النقديّة، ديفيد كورنز هوي، ترجمة: خالدة حامد، مركز الانماء الحضاري، ط1، 2008م، ص: 125.
[3] جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، تأليف: القاضي عبد رب النبي بن عبد رب الرسول الأحمد نكري، تعريب: حسن هاني فحص، دار الكتب العلمية، لبنان / بيروت، 1421 هـ – 2000 م، ط1، ج:2، ص:158.
[4] الشعر الجاهلي: قضاياه وظواهره الفنيّة، أ.د كريم الوائلي، ج:1، ص:62.
[5] السيرة المفتوحة للنصوص المغلقة، خالد آغة القلعة، دار كنعان، دمشق،ط1، ج:3، ص:11.
[6] اللسان، مادة (فَعَلَ)، دار صادر، بيروت، ط1.
[7] التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأيباري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1405هـ، ص: 57.
[8] شرح الكافية الشافية لابن مالك، جمال الدين الجيّاني، تحقيق: عبد المنعم أحمد هريدي، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، ط1،
[9] الانزياح من منظور الدراسات الأسلوبيّة، د. أحمد محمد ويس.

إضافة تعليق