(كلماتٌ متأرجحة)[1] قراءة في الشكل والمضمون
قضيّة الشكل والمضمون من القضايا المعقّدة في العمل الأدبي، ودار حولها خلافات وآراء عدّة، منذ القدم تشكّلت في مسألة التفريق بين اللفظ والمعنى، والخصومة في نسبة التشريف والبلاغة لأحدهما، حتّى بلغت الوفاق على يدِ عبد القاهر الجرجاني الذي أرجعهما إلى فكرة النظم، فليس للفظ في ذاته شرفٌ دون المعنى، ولا في المعنى في ذاته شرفٌ دون لفظ يؤديه ويعبّر عنه.
هذه القضيّة لم تغلق دونها نافذة التساؤل، فعادت في عصرنا الحديث متّخذة واقعًا أكثر تطوّرًا متمثّلاً في الشكل والمضمون، ومصطلح الشكل يسقط على كلّ ما هو دون الأفكار والمعاني ممّا يقوم به النصّ، فاللغة وضروب الصياغة والجنس الأدبي تدخل في حيّز الشكل، فيما المضمون هو المحتوى من أفكارٍ ومعانٍ يعبّر عنها الكاتب والأديب بواسطة الشكل.
كان الانتصار للمضمون حاضرًا بقوة قبل مجيء الشكلانيين الروس الذين أولوا الشكل الاهتمام كلّه، منطلقين منه رغبة في تأسيس نظريّة للأدب، فتولّدت على أيديهم فكرة الأدبيّة، وهي معيار جودة النصّ الأدبي، فالمضمون يمكن أن يؤدّى بطرائق عدّة، والعمدة في الحكم ترجع إلى كيفيّة ذلك الأداء، وحظّ النصّ من الأدبيّة هو حظّه من التميّز والإحسان.
وهذه النظرة ليس نظرة فاصلة كما يظنّ بها الكثيرون، وإنّما هي تضع أمامنا أداة تحكيميّة للنصّ الأدبي، متّخذة من أوثق صفة للأدب والتي بها سمّي أدبًا مبدأ رئيسًا، وما خلاه ينطوي تحته، ويناقش من خلاله.
أمّا الواقع في الأدب الإسلاميّ فهو يشهد هاجسًا وتفكيرًا راسخًا في قضيّة الشكل والمضمون، وهذا التفكير له إيجابيّاته وله سلبيّاته؛ تتجلّى إيجابيّته في كونه يولي المضمون أهميّة ووعيًا يكفلانِ له الرقيّ والسمو والغاية الهادفة، وتتجلّى سلبيّته في الفهم الخاطئ الذي يمارس من قبل البعض في استحضار المضمون أولاً، ثمّ محاولة زخرفته شكليًّا، فينجم عنه انفصامًا بينهما وارتباكًا يضعف النصّ، بينما وظيفة الشكل والمضمون في الحقيقة وظيفة تكامليّة، يسهم كلاًّ منهما في الآخر، فالمضمون يفرض على الكاتب اللجوء إلى طرقٍ تعبيريّة ملائمة، والشكل يحدّد ذلك المضمون ويطوّعه في سبيل إخراجه من عالم الفكرة المجرّدة إلى عالم الوجود الحسّي.
هذا التقديم الموجز لهذه القضيّة طمحت من خلاله إلى خلاصة أنفذ بها إلى قراءة نقديّة في قصة قصيرة للأديبة: هيام ضمرة، عنوانها: (كلماتٌ متأرجحة)، وموضوعها زوجة استغلّ زوجها ضعفها لإشباع أنانيّته وتسلّطه و(رجولته!)، فحكم عليها بالإنجاب المتواصل عقابًا لها لإنجابها خمس إناثٍ على التوالي، فإذا بالزوجة المسكينة التي تزوّجت في ربيع الرابعة عشر من عمرها تصبح عنده مجرّد آلة تفريخ، دون اعتبارٍ لمشاعرها وإنسانيّتها وما تعانيه في سبيل ذلك من آلامٍ ووهن، حتى أنجبت له ستّة عشر ولدًا، ثمّ توقّفت عن الحمل بأمر طبّي، وإذا بتلك (العزوة) التي كان يلوّح بها زوجها في كبرياءٍ خاوٍ، يلتفون حولها وقد بلغوا أربعين هم أولادها وأحفادها، فلقيت بهم العوض عمّا لاقته من مشقّة وتعب، و"عندما تغيب عدالة الأرض، تبقى عدالة السماء حاضرة، والحصاد أعظم بكثيرٍ من كدّ مراحل الزراعة"[2].
اتّخذت القاصّة من المراوحة الزمنيّة طريقة في حكاية تلك الأحداث التي تمتدّ لسنين طويلة، واختزلت بذلك كثيرًا من التفاصيل، وابتعدت عن نمطيّة التعبير الخطّي الرتيب، فهي تنتقل بين الحاضر والماضي في أسلوبين بارزين:
- الماضي اتّخذ نمطًا سرديًّا ووصفيًّا.
- الحاضر اتّخذ إلى جانب السرد توظيف الحوارات بين الشخصيات، ممّا أضفى على النصّ حسًّا واقعيًّا نعاينه كأنّنا نبصره بأعيننا.
والقصّة تنبني على الزمن الماضي، فهو المحرّك الأساسي لها، وما الزمن الحاضر إلا امتداد زمني يكشف عن آثار الماضي ونتائجه، بل إنّنا إذا بلغنا خاتمة النصّ أدركنا أنّ هذا الحاضر ما هو إلا جزء من الماضي، وقوّة استحضاره ومعايشته في النصّ جعلته يلتبس بالزمن الحاضر.
وهذه الماضويّة التي تكتنف النصّ تلعب دورًا بارزًا في دلالة يتّجه النصّ إليها في ختامه، وهي أنّ الحياة بكلّ ما فيها قصيرة سريعة، وما نعاينه سنينًا من الهمّ والكدر ما هو إلا لحظات تذكّر حينما نجد السعادة والطمأنينة، ويمكننا أن نلتقط من ذلك هدفًا مضمونه التشبّث بالتفاؤل والصبر في سبيله في أحلك الظروف وأشدّها، و{فإنّ مع العسر يسرًا * إنّ مع العسر يسرًا} [الشرح:5-6].
والماضويّة هذه –كما أشرتُ- تشكّلت في الأسلوب السردي والوصفي، وهذه الثنائيّة ترصد بهما القاصّة المعاناة وواقعها، فالأحداث اصطبغت بالذاتية المشحونة بالمشاعر والعواطف، وبها تعايش البطلة/الزوجة صراعًا قوامه الأمومة التي تحتمل كلّ شيء في سبيل فلذاتها، وبغلبة هذا الأسلوب نستشعر جوّ الاسترجاع والتذكّر.
تبدأ القصّة بالزمن الحاضر، لكنّه ما يلبث أن يشرع على الزمن الماضي، وهذا الزمن يؤطّر حادثة إنجابها لطفلها السادس عشر، ولهذه الحادثة دورٌ مهم في سير العمل القصصي بكونه الطفل الأخير الذي ستلوّح له ختامًا وهو ذاهب إلى الجامعة، فذلك الطفل هو مشروع السعادة الذي ينتظرها، وإن رافقته مصاعب كثيرة، والانطلاق من هذه الحادثة إلى الوراء، ثمّ العودة إليها، يركّز على محطّة مهمّة في حياة تلك الأمّ المسكينة، هذه المحطّة التي لم تعِ بمرورها بها، ومع ذلك: "فما الذي سيختلف بالنسبة لأمومتها، وتدفّق عواطفها، إن كان طفلها يحمل الرقم واحد، أو الرقم السادس عشر، فهي لا تذكر أنّ لمشاعرها ميزانًا تتحكّم به الظروف والتحولات"[3].
هذه الحادثة المركزيّة تنتمي إلى الماضي، ولكنّها تطالعنا في بداية النصّ في سياق الحاضر المعاش، وهذا التنويع الزمني بقدر ما هو يسهم في كسر الرتابة، يوجّهنا إلى أحداث أخرى تزيد من وقع المعاناة، وهذه الأحداث يؤديّها أبناؤها الذين لم يسعهم احتمال فكرة أخٍ جديد، وقد ضاق بهم المكان والحال: "عبارة الحمل أصبحت في هذه الأسرة كأشواك القنفذ المتطايرة، تنغرز بألم في أجسادِ الجميع.. صرخ ابنها الكبير معترضًا:
- لمن تصنعين هذه العزوة.. وماذا تتوقعين من مكاسب بإنجابك هذا العدد الكبير؟
وصاحت الكبرى بتذمّر:
- أما آن لهذا البيت أن يهمد فيه صراخ الصغار.. إنّنا لم نعرف الهدوء في أصعب مراحل دراستنا .. فترة الامتحانات والثانوية العامة والجامعة.
وحتّى الصغيرة أدلت بدلو اعتراضها بعباراتها اللاذعة:
- أين سيكون مكان الطفل الجديد.. والأماكن كلّها تضيق بنا؟"[4].
النصّ يعالج فكرة العاقبة الطيّبة للصبر الجميل، وكلّ عناصر النصّ انتظمت في بناء يشفّ عن فكرة التحوّل تلك، بدءًا من الزمن الذي كان عاملاً بارزًا، ثمّ الشخصيات وهي: الأم/الزوجة، الطفل الوليد، الزوج، الأبناء، الأم/والدة الزوجة؛ وجميع هذه الشخصيات تأتي في معرض تجسيد أو تعميق معاناة الشخصية البطل: الأم/الزوجة، في الوقت الذي تحمل شيئًا من دلالة تبدّل الحال، فمثلاً: الأبناء الذين يتهكمون ويتذمرون من حملها فتتألم الأم بذلك، همّ الذين أثلجوا صدرها بتعاطفهم مع أخيهم الصغير، والأم/والدة الزوجة التي حرمها زوجها من رؤيتها لعامين، تساند ابنتها في مرضها فتكون عونًا على تماسكها، والزوج الذي تنشأ المعاناة من قبله منحها في صورة العقاب من كانوا فيما بعد سبب استقرارها وراحتها.
ازدواج في الزمن، وازدواج في الشخصيّات وأفعالها، رافق ذلك ازدواج في المكان بين البيت والمستشفى، وهذه البنية الثنائية كلّها بطريقة ماشرة وغير مباشرة في توصيل رسالة النصّ، ومفادها يقاربُ قول الشافعي:
|
ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها |
فرجت وكنـــــتُ أظنــــــّها لا تفــــــرجُ |
وهي غاية تنبني على حالتين أيضًا، وهذا التآلف الوطيد بين الشكل والمضمون ذو فاعليّة كبرى في تماسك النصّ وفنّيته، فقوّة تأثيره التي تتملّكنا بإقحامنا في صراع تلك الثنائيات.
ولا نغفل اللغة ودورها المكين في تشكيل النصّ، وعند قراءة القصّة نقف على لغة بسيطة سهلة عالية، وعلوّها في جنوحها إلى شاعريّة التراكيب البعيدة عن التقريريّة والخطابيّة، ولا تقف لغة القاصّة عند حدود الإبلاغ بقدر ما هي مشحونة بإحساس كبير، تتوغّل في أعماق الذات وتكشف عن خباياها وما يعتلجها بالتماهي في الوصف، والإغراق في تجلّياته.
وهذه اللغة مثلما كانت شفيفة مواتية للتعبير عن الذاتيّة التي تنبثق من معاناة الشخصيّة البطل، فإنّها كانت مطاوعة للحوارات التي جاءت باللغة الفصحى، غير متكلّفة، ولم تسبّب انفصامًا بين المتحاورين ولغة الحوار.
هذه القراءة السريعة لهذه القصّة الرائعة هي رغبة لبيان فكرة التكامل بين الشكل والمضمون، وأنّ الفصل بينهما ليس من الأدب في شيء، واختلافنا مع أفكار كاتب ما لا يسلبه إبداعه إذا ما تجاوز عقبة الفصل المحجف، ومسألة الرفض تلك ليست قاصرة على المضمون دون الشكل، فكلاهما يفضي إلى الآخر، بيد أنّ محاكمة الأدب هي حدود تؤطّره وتضبطه وليست من صميمه، وهي لاحقة للعمل الأدبي لا مواكبة لإنتاجه، وبذلك المفهوم هي بعيدة عن أن تقيّد الإبداع كما يتّهمها البعض.
خالدة بنت أحمد باجنيد
23/6/1431هـ – 6/6/2010م

إضافة تعليق